التربية الإيجابية
…. هل أبناؤنا أمانة عندنا أم ملكية لنا؟
في زمن تتسارع فيه التحولات الاجتماعية والتكنولوجية بشكل غير مسبوق أصبحت تربية الأبناء مسؤلية عظمى و أكثر تعقيدا وحساسية،فبين ضغوط الحياة اليومية وتقدير وسائل التواصل الاجتماعي، وتعود مصادر المعرفة والتوجيه، يجد كثير من الآباء أنفسهم أمام سؤال جوهري هل نربي أبناءنا باعتبارهم أمانة نراها.أم ملكية نتحكم فيها؟
في الواقع لا يزال بعض الآباء و الأمهات يتعاملون مع الأبناء من منطلق الوصاية المطلقة، فيرسمون لهم مسارات الدراسة والعمل و يحمدون لهم اهتماماتهم وعلاقتهم معتقدين أن ذلك جزء من مسؤوليتهم التربوية غير أن هذا التصورات وإن كانت مدفوعة بحسن النية فهي تحرم الأبناء من حقهم الطبيعي في بناء شخصياتهم واكتشاف قدراتهم واتخاذ قرارتهم.
لقد أثبتت التجارب التربوية الحديثة أن الطفل الذي ينشأ في بيئة يسودها الاحترام والحوار يكون أكثر قدرة على تحمل المسؤولية و أكثر ثقة بنفسه من الطفل الذي اعتاد تلقي الأوامر دون نقاش فالتربية الإيجابية لا تعني التساهل أو غياب الحدود بل تعني بناء علاقة قائمة على التوجيه الواعي والاحترام المتبادل.
اليوم مع انتشار المنصات الرقمية أصبح الأبناء يعيشون في عالم مفتوح تتجاوز تأثيراته حدود الأسرة والمدرسة لذلك لم يعد أسلوب التحكم والقرض قادرا على تحقيق النتائج المرجوة فالليل الجديد لا يبحث فقط عن الأوامر أو النصائح الجامدة بل يحتاج إلى من يستمع إليه ويفهم مخاوفه ويتقبل مشاعره ويجيب عن تساؤلاته ويشاركه في رحلة نموه ونضجه.
لكن المؤسف أن بعض الخلافات الأسرية التي نشهدها اليوم تنبع من فجوة في الفهم بين الآباء والأبناء، فجوة تتسع كلما غاب الحوار وحضر التسلط، حين يمنع الطفل من التعبير عن رأيه أو يجبر على تحقيق أحلام لم يخترها بنفسه فإنه قد ينجح ظاهريا لكنه يحمل داخله شعورا بالضغط و الاغتراب وفقدان الثقة.
إن أبناءنا ليسوا نسخا مكررة منا، ولا مشاريع لتحقيق طموحاتنا المؤجلة إنهم أفراد مستقلون، لهم أحلامهم ومواهبهم وخصوصياتهم، وقد منحنا الله مسؤلية رعايتهم وتوجيههم لا امتلاكهم أو مصادرة حقهم في الاختيار فالتربية الحقيقية تبدأ عندما ندرك أن دورنا لا يختصر على توفير الطعام والملابس والتعليم بل يمتد إلى بناء إنسان قادر على التفكير واتخاذ القرار وتحمل نتائج اختيارته فعندما نعامل أبناءنا باعتبارهم أمانة، فإننا نمنحهم المساحة التي يحتاجون للنمو ونمنح أنفسنا فرصة بناء علاقة فنية أساسها الحب والثقة و الاحترام، ففي عالم اليوم لم تعد الأسرة بحاجة إلى مزيد من السلطة بقدر حاجتها إلى مزيد من الوعي فالأبناء الذين نربيهم بالاحتواء و الحوار سيكبرون وهم أكثر قدرة على مواجهة الحياة و أكثر وفاء للقيم التي غرسناها فيهم وهنا يكمن الفرق بين من يرى أبناءهم ملكية خاصة ومن يدرك أنهم أمانة سيسأل عنها أمام الله والمجتمع والتاريخ.
الكوتش: أمينة بن العلوي