إدريس شحتان : احتجاجات 27 و28 شتنبر: جيل جديد ومطالب قديمة في وجه تحركات خفية

EL-NASSIRI29 سبتمبر 2025آخر تحديث :
إدريس شحتان : احتجاجات 27 و28 شتنبر: جيل جديد ومطالب قديمة في وجه تحركات خفية

بقلم: إدريس شحتان – مدير قناة شوف تيفي

عرفة الساحة الوطنية في الأيام الأخيرة موجة احتجاجات قادها شباب من فئة عمرية تُصنف ضمن ما يُعرف بـ”جيل Z”، أي المولودين تقريبًا بين سنتي 1995 و2005، وإن كانت التعريفات العلمية تحصر الجيل بين 1997 و2010. هذه الفئة نشأت في ظل ثورة رقمية غير مسبوقة، وتربت على مفاهيم جديدة من حرية التعبير والانفتاح على المعلومة، مما جعلها أكثر وعيًا بحقوقها، وأقدر على استخدام أدوات التواصل والتعبير السلمي.

ما رفعه المحتجون من مطالب اجتماعية – كتحسين التعليم، والرعاية الصحية، والخدمات العمومية – هي قضايا تعني جميع المغاربة، وتلامس واقعًا نعيشه يوميًا في كل من القطاع العام الذي يعاني من اختلالات مزمنة، والقطاع الخاص الذي غالبًا ما يُتهم بالانتهازية. لكن الجديد هذه المرة لم يكن في المطالب ذاتها، بل في سياق التحرك وطريقة التعبئة والتوقيت، خاصة وأن المغرب على بُعد أسابيع من تنظيم كأس إفريقيا للأمم.

 

بعض الشعارات التي رُفعت – وأشهرها “ما بغيناش كأس العالم، بغينا الصحة أولًا” – تُثير تساؤلات مشروعة. فهل هي تعبير عفوي عن أولويات اجتماعية؟ أم أنها محاولات محسوبة لربط الاحتجاج بحدث رياضي كبير ذي رمزية وطنية، في توقيت حساس؟

لا يمكن إنكار أن وسائل التواصل الاجتماعي لعبت دورًا كبيرًا في تأجيج الغضب، وتحويل إحباطات فردية إلى موجة جماعية، عاطفية أحيانًا، ومنظمة أحيانًا أخرى. بعض الأطراف حاولت توظيف رمزية اللحظة، وشعارات الشباب، للدفع باتجاه تأزيم الوضع، مستغلة ضعف التجربة السياسية لدى الجيل الصاعد، وقلة مناعته تجاه التلاعب الإعلامي.

 

لكن، وعلى الرغم من ذلك، فإن الشعب المغربي أبان عن وعي جماعي كبير، وتمسك بالسلمية كخيار لا رجعة فيه. فمحاولات بعض “الانتهازيين”، الذين سبق لهم الفشل في تدبير الشأن العام أو عجزوا حتى عن الفوز في دوائرهم الانتخابية، لم تنجح في حرف مسار الاحتجاجات. كذلك لم تُفلح محاولات “الركماجيين” الذين يتغذون على كل موجة احتجاجية لصناعة محتوى فارغ عبر الميكروفونات والتدوينات، والتي لا تحمل سوى رسائل كراهية للوطن ومؤسساته.

اليوم، لسنا في حاجة لإثبات شرعية هذه المطالب، فهي بديهية ولا نقاش حولها. التحدي الحقيقي هو في كيفية تحصين هذه التحركات من التسييس الفوضوي والاستغلال الحزبي أو الأيديولوجي. وهنا يبرز دور الأسرة، والمدرسة، والإعلام، في ترسيخ ثقافة النقد والتحليل، وتعزيز وعي الشباب بما يُنشر على المنصات الرقمية.

فإذا كانت هناك فئة شبابية خرجت لتُعبّر عن همومها وآمالها، فإن أطرافًا أخرى تحاول التسلل إلى هذا الفضاء، وركوب الموجة لأغراض لا علاقة لها بمطالب الصحة أو التعليم، بل بأجندات خفية، وتحقيق مكاسب على حساب استقرار الوطن.

ما حدث يومي 27 و28 شتنبر ليس لحظة عابرة. لقد كان اختبارًا مهمًا على مستويين: اختبار وعي الشباب بحقوقه، واختبار وعي المغاربة بضرورة الحفاظ على استقرار الوطن كشرط أساسي لأي إصلاح اجتماعي أو سياسي.

من هنا، فإن التعامل مع هذه المرحلة يتطلب عقلانية وتبصرًا. يجب دعم الشباب في تعبيره السلمي، وتوفير الآليات العملية لتحويل مطالبه إلى إنجازات، وليس فقط شعارات. كما ينبغي فضح كل من يحاول توجيه هذا الحراك النقي لأغراض أخرى.

 

ولمن يراهن على الفوضى، ويعتقد أن الحماس الشبابي بوابة للتشويش على الوطن، نقول بكل وضوح: “استيقظ، فأنت تحلم”. لأن المغاربة – شعبًا وشبابًا – يدركون جيدًا الفرق بين المطالبة الحقة، والمناورات المكشوفة.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة
error: عفوا !!