إعداد : أحمد الشرفي
في سياق النقاش العمومي المتعلق بتنمية الأحياء المعاد هيكلتها، وبالنظر إلى الوضع الاجتماعي الخاص الذي تعرفه تجزئة البركة أهل لغلام، يبرز المركز الاجتماعي للقرب البركة كنموذج ميداني يستحق الوقوف عنده. فبين التحديات البنيوية، وواقع العزلة المفروضة على الساكنة منذ سنوات، تبرز هذه المؤسسة كأحد المحاور النادرة التي تحاول ترميم الشرخ الاجتماعي وتقديم بدائل تنموية داخل منطقة تعاني خصاصاً كبيراً. يُعد المركز الاجتماعي للقرب البركة نقطة ضوء حقيقية داخل تجزئة البركة أهل لغلام، وهي المنطقة التي تعيش منذ سنوات في عزلة خانقة بعد إعادة إيواء الأسر القادمة من دور الصفيح بكريان السكويلة. فعوض أن يكون الإيواء بداية حياة أفضل، وجد السكان أنفسهم في فضاء حضري يفتقر للمرافق الأساسية ويعاني من التهميش، ما جعل التجزئة تبدو وكأنها منطقة مفصولة قسراً عن محيطها الطبيعي. وفي خضم هذا الواقع الصعب، برز المركز الاجتماعي كفضاء يتجاوز دوره المؤسساتي ليُشكل متنفساً اجتماعياً وإنسانياً. وإلى جانب دور المركز، لا يمكن تجاهل الجهود الكبيرة التي تبذلها عدة شخصيات إدارية وترابية في السعي لتجاوز الهشاشة والنهوض بالمنطقة، وفي مقدمتهم السيد محمد ناخول،

قائد الملحقة الإدارية أهل لغلام، الذي يشهد له الجميع بحضوره اليومي وحرصه على مواكبة مسلسل التنمية، إضافة إلى تعبئة مختلف الوسائل المتاحة لمعالجة الإشكالات التي تعيشها التجزئة ناهيك على الدور المهم الذي يلعبه السيد الباشا كما يُشاد بالدور الفعال للسيد عامل عمالة مقاطعات سيدي البرنوصي نبيل خروبي، الذي يحرص على تتبع المشاريع الاجتماعية وإعطاء الأولوية للمناطق التي تعرف هشاشة، إلى جانب السيد الكاتب العام حسن مجديلة، ورئيس قسم الشؤون الداخلية، ومدير الديوان الحاج عزيز تريعي، والسيد محمد موجيب رئيس قسم العمل الاجتماعي، الذين يعملون جميعاً بروح المسؤولية لتنزيل التعليمات الملكية السامية تنزيلاً سليماً وفعّالاً. كما لا يمكن إغفال الدور القوي للدكتور عبد الرحيم وطاس، رئيس مقاطعة سيدي مومن، الذي ظل يترافع باستمرار عن حاجيات المنطقة، مدافعاً عن البرامج الاجتماعية والتنموية ومطالباً بتعزيز الخدمات داخل الأحياء المعاد إيواؤها. وفي هذا الإطار، ينشر هذا المقال الذي يعكس بدقة معاناة الساكنة ودور المركز في التخفيف منها، في تناغم مع مجهودات كل هذه الأطر التي تبذل قصارى جهدها للنهوض بالمنطقة.
حيث يستفيد أربعون طفلاً من التعليم الأولي داخل المركز، في بيئة تربوية آمنة تُساهم في بناء شخصيتهم منذ السنوات الأولى. كما تقدم المؤسسة تكوينات مهنية لفائدة النساء والفتيات، منها الخياطة والطبخ بمعدل 30 مستفيدة لكل منهما، إضافة إلى تكوين في الحلاقة لأكثر من 20 شاب، أغلبهم قاصرون يبحثون عن فرصة نموذجية لبدء مسار مهني مستقر. وبرنامج محاربة الأمية الذي يستقطب أكثر من 200 امرأة يعزز هذا الدور التمكيني، ويساهم في تحسين أوضاع الساكنة عبر التعليم والوعي وتوسيع آفاق المشاركة.
لكن القيمة الحقيقية للمركز لا تتمثل فقط في الدروس والتكوينات، بل في كونه فضاءً يرمم العلاقات الاجتماعية التي تضررت بعد عملية الترحيل، ويعيد للنساء والشباب حافزاً للاندماج، ويخلق دينامية ثقافية وتربوية داخل تجزئة تعاني غياب الفضاءات الأساسية. لقد أصبح المركز بمثابة القلب النابض للحي، ومتنفساً اجتماعياً يُحيي الأمل وسط التهميش. وفي هذا الإطار، يبرز الدور الكبير الذي لعبه الأستاذ سعيد الطوسي، المسؤول التقني والإداري عن المركز، الذي استطاع عبر جهوده المتواصلة أن يجعل من هذا الفضاء مركز إشعاع حقيقي. فقد ساهم في تأطير الناشئة وتوجيه الشباب نحو مسارات إيجابية، وساهم في النهوض بالشأن الرياضي والثقافي والتنموي داخل منطقة معزولة تعاني نقصاً حاداً في الخدمات. وبفضل مبادراته المتعددة، أصبحت المؤسسة تحتضن برامج تُعيد الاعتبار للساكنة، وتمنح الشباب فرصاً بديلة عن الفراغ الذي قد يتحول بسهولة إلى بوابة سلوكيات منحرفة. ومن المهم الإشارة إلى أن الظروف الصعبة التي تطبع الحياة داخل تجزئة البركة أهل لغلام ليست مجرد تفاصيل اجتماعية، بل هي عوامل خطيرة تتفاعل لتُنتج آثاراً مقلقة. إن الإقصاء والتهميش والفقر والبطالة والهدر المدرسي ليست مفاهيم مجردة، بل هي عناصر تُشكّل البيئة المثلى لانتشار الجريمة والانحراف. وعندما تُترك أحياء كاملة دون مرافق، دون أنشطة، دون دعم، ودون رؤية تنموية حقيقية، فإن النتيجة تكون مع الأسف واضحة: يُولّد الفراغ، ويكبر اليأس، وتتسع دوائر السلوكيات الخطيرة.
ولهذا يصبح من الضروري تنبيه الجهات الوصية بأن السياسات العمومية غير العادلة، وغياب المقاربة الشمولية، قد تساهم بشكل غير مباشر في تربية الجريمة، حين تُهمل حاجيات الساكنة، وتترك الشباب يواجهون مصيرهم دون سند أو بدائل. فالجريمة لا تنشأ فجأة، بل تُصنع أحياناً بفعل الإهمال والتهميش وترك الأحياء على هامش التنمية.
إن المركز الاجتماعي للقرب البركة يشكل اليوم نموذجاً واضحاً لما يمكن أن تحققه المؤسسات حين تُدار بحكمة وإخلاص، لكنه أيضاً يطرح أسئلة حول دور الدولة والجماعات والمؤسسات المعنية في دعم الأحياء مثل تجزئة البركة. فبدون دعمٍ حقيقي وتوفير للبنيات الأساسية، وخلق فرص للشباب، وتعزيز المواكبة الاجتماعية، ستظل المجهودات الجبارة التي يبذلها المركز مجرد محاولات فردية في مواجهة مشكل بنيوي أكبر بكثير. ومع ذلك، يبقى المركز اليوم حجر الأساس في بناء مستقبل أفضل للمنطقة، ويبرهن أن الاستثمار في الإنسان هو الطريق الأنجع لمحاربة الجريمة والهشاشة، وأفضل وسيلة لتوفير حياة كريمة لساكنة تستحق الكثير. وتظل مجهودات السلطات المحلية والترابية، بقيادة كل الأسماء المذكورة، رافعة حقيقية يمكن أن تُعيد رسم مستقبل المنطقة إذا تواصلت بنفس العزم والإرادة.

























































