القليل منا من سمع باسم عبد القادر التونسي، انه شخصية يمكن ان نعتبرها من الشخصيات التاريخية في المغرب المعاصر التي على المغاربة التعرف عليها والافتخار بها واتخاذها قدوة، التونسي لقب حمله والده عقب عودته من تونس بعدما قضى بها عدة سنوات للعمل عبد القادر شقيق اصغر لمحمد الملقب الأب جيكو، من مواليد مدينة تارودانت 1928 حيث التحق بالمدرسة الأهلية – ابن سليمان الروداني- في سن 10 سنوات كعمر تقريبي حسب سجل المدرسة – السجل الذهبي- ثم انتقل الى مدرسة كسوس ثم ثانوية مونجان بشارع فرنسا بمراكش1940 (رفقة صديق العشرة اسماعيل هرماس الدي التحق بابن يوسف)، ثم ثانوية مولاي يوسف بالرباط التي احرز فيها على شهادة الباكالوريا ليشد الرحال نحو فرنسا لدراسة الطب، هو ثالث ثلاثة في تاريخ المغرب المعاصر أطباء تخصص الجراحة العامة، عبد القادر التونسي وعز الدين العراقي وعبد اللطيف بربيش، ظلت روح الوطنية تسكن وجدانهفالتحق بالوطن سنة 1958 مباشرة بعد نهاية الدراسة العليا والتكوين.
جراح عبقري يتراقص المشرط بين يديه كعازف الآلة، كل الجراحات كانت تطوع له، نقل خبرة الجراحة العامة لما يقارب أربعة أجيال، كان سيحال على المعاش سنة 1993 فمدد له المغفور له الحسن الثاني بظهير شريف مدى الحياة لما عرف به سي عبد القادر من تفاني ونكران الذات إزاء مهنته وإشرافه على جناح الجراحة العامة بمستشفى ابن سينا بالرباط حيث أنه أول من يلتحق بالعمل وآخر من يغادر في وقت متأخر.
تقلد سي عبد القادر عدة مهام طبية نذكر منها :
– رئيس سابق لشعبة الجراحة العامة بكلية الطب والصيدلة بالرباط.
– مؤسس ورئيس سابق للاتحاد المغاربي للجراحة.
– رئيس المركب الجراحي بمستشفى ابن سينا
– عضو مشارك في اكاديمية الجراحة الفرنسية
كما نال البرفسور سي عبد القادر عدة أوسمة :
– وسام العرش من درجة قائد
– وسام الاستحقاق الوطني الفرنسي من درجة قائد
– جائزة المعهد الفرنسي لعلوم الصحة لسنة 1989
– وسام الاستحقاق والاعتراف من كلية الطب والصيدلة بالرباط شهر أكتوبر 2002
– مدير مجلة “المغرب الطبي”
– أشرف على أزيد من 400 بحث علمي للدكتوراه في الطب حصلت دائما على ميزة مشرف جدا
– ساهم بالعديد من المقالات والأبحاث العلمية في مجلات الطبية الوطنية والدولية
– المساهمة بعدة مداخلات في مؤتمرات علوم الطب والجراحة داخل المغرب وفي الخارج
البروفسور عبد القادر التونسي طبيب استثنائي بكل ما تحمل الكلمة من معاني التواضع الشخصي والانسانية في الممارسة المهنية إزاء المرضي وتقديم المشورة والنصيحة لمرافقيهم، كما كان يعطي الأولوية للمحتاجين والمعوزين من الشريحة الاجتماعية الشعبية،
علي هرماس الذي ينزله المرحوم منزلة الابن وارفع مقامه تاج يجلل رأسي
****************************
الأستاذ عبد القادر التونسي شخصية بارزة في قطاع الرعاية الصحية المغربية، يحظى باحترام وتقدير كل من يلتقي به، سواء في المناسبات الرسمية أو غيرها. ومع ذلك، لا يزال غير معروف إلى حد كبير لدى عامة المغاربة، حتى الجيل الجديد من الأطباء والممرضين ربما سمعوا اسمه في وقت ما دون أن تتاح لهم فرصة التعرف عليه شخصيًا، أو التعلم منه، أو فهم منهجه في التعامل مع المرضى وعلاجهم. لقد عاش بعيدًا عن الأضواء، متجنبًا الشهرة، يعمل بهدوء وتقاعد بهدوء، تاركًا وراءه إرثًا حافلًا بالإنجازات وأثرًا إيجابيًا عميقًا. حتى وسائل التواصل الاجتماعي، التي يحق لها الاستفادة من أعماله ومتابعته ومشاركة صوره وألقابه، لا تعرفه. أما يوتيوب، فيعاني في التعرف على اسمه، والمعلومات والصور المتوفرة في أرشيفات هيئة الإذاعة والتلفزيون الوطنية وعلى الإنترنت غير كافية لتلبية احتياجات الباحثين .
لقد عرفته أجيال من طلبة الطب كأستاذ ومشرف كفء في تخصصه (بعضهم متقاعد الآن!)، وقد حظي بتقدير الملك الراحل الحسن الثاني كأحد الأعضاء المتميزين في الفريق الطبي بالمصحة الملكية بالمشور السعيد. استفاد آلاف المغاربة، أغنياء وفقراء، من مختلف الخلفيات والطبقات الاجتماعية (بمن فيهم مجموعة من جرحى زلزال أكادير)، بالإضافة إلى مئات الأجانب (بمن فيهم مجموعة من جرحى حرب الاستقلال الجزائرية الذين تلقوا العلاج على الأراضي المغربية)، من فحوصاته وخضعوا لعمليات جراحية على يديه. أعرفه شخصيًا منذ أكثر من خمسة وعشرين عامًا، وفي كل لقاء، ينتابني شعور بالرهبة والإعجاب بحضوره المهيب واللطف واللين في آن.
لا يتباهى أبدًا بلقبه الرسمي، ويكتفي بأن يناديه الناس “سي عبد القادر” أو “الحاج، وصل الطبيب إلى مستشفى ابن سينا في أواخر عام 1957، فور إتمامه دراسته الطبية في باريس، في وقتٍ كان فيه عدد الأطباء المغاربة في هذا المستشفى قليلًا جدًا، وفي وقتٍ كان المغاربة لا يزالون فيه في طور التحرر من نير الاستعمار الفرنسي… التزم الطبيب التزامًا تامًا بواجباته المهنية. منذ البداية، اختار هذا المستشفى ليكون بيته، مما أتاح له البقاء متاحًا للمرضى على مدار الساعة. استمر في ممارسة الطب هناك لما يقارب نصف قرن، ولم يغادر قسم الجراحة العامة طوال مسيرته المهنية، ولم يُفوّض إدارة شؤونه لأحد، حتى بات يعرف كل زاوية وركن في المستشفى كما يعرف محتويات جيبه.
كان على دراية تامة بحالة جدرانه وأبوابه ونوافذه ومعداته وأدواته وأثاثه وأنابيبه ومصابيحه وحنفياته. كما كان على دراية كاملة بمهارات وكفاءات وحدود طاقمه، سواء كانوا أطباء أو ممرضين أو فنيين أو مساعدين، وكان يحرص على ممارسة سلطته عليهم بالقدوة الحسنة. كان أسلوبه هو نفسه الذي جعله لا يخجل من الانحناء والتقاط القمامة التي يرمي بها الأشخاص غير المهذبين على أرضيات الممرات والغرف، حتى في وجود الزملاء والمرضى والزوار. كانت النظافة في جميع أقسام إدارته أولوية في خطته الإدارية، وكان يأمل أنه كلما اتخذ مثل هذا الإجراء، سيحذو بقية الموظفين حذوه تلقائيًا دون الحاجة إلى مذكرة داخلية.
وحتى عندما ظن الجميع أن موجة التقاعد ستطيح بسيدى عبد القادر كما طالت غيره ممن بلغوا سن التقاعد، صدرت أوامر سامية عاليا سنة 1993 تسمح له بمواصلة العمل مدى الحياة، في استثناء من القوانين السارية. ويعود ذلك إلى إيثاره ونبل مهنته، فالطب بالنسبة له كان أسلوب حياة، ولم يتعامل معه قط بدافع الربح المادي ، لم يضطر إلى خلع معطفه الأبيض ومغادرة مكتبه المتواضع إلا عندما تراجعت صحته ، دون أن يحيد قيد أنملة عن مسيرته المهنية الاستثنائية التي امتدت قرابة ستين عامًا. خلال هذه الفترة، عمل جنبًا إلى جنب مع جميع الوزراء الذين تعاقبوا على وزارة الصحة في تاريخ المغرب المستقل، وكان معظمهم من زملائه أوأصدقائه أوطلبته السابقين.
لم يكن يؤمن بـ”قانون بيتر”، الذي ينص على ترقية الموظف المتفوق في مجاله الأصلي أو مكافأته في مجال آخر، بغض النظر عن مدى ملاءمته له. وللسبب نفسه، وكما امتنع عن التسرع إلى الصحف والمجلات وميكروفونات الراديو وكاميرات التلفزيون لاكتساب الشهرة، فقد امتنع أيضاً عن التسرع نحو المناصب العليا، على الرغم من امتلاكه جميع المؤهلات اللازمة لإدارة شؤون وزارة مثل وزارة الصحة من أعلى المستويات.
إلى جانب مسؤولياته الفنية والإدارية، التي تجلّت في تفاعله مع المرضى وقيادته لقسمه في المستشفى، وكذلك قسم الجراحة في كلية الطب والصيدلة بالرباط، فإن المسيرة العلمية للأستاذ التونسي تزن الأطنان متميزة أيضاً. فقد ألّف العديد من المقالات العلمية في مجلات محلية ودولية، وأشرف على مئات أطروحات الدكتوراه في الطب، وشارك في عشرات المؤتمرات العلمية على المستويين الوطني والدولي، وشغل لسنوات عديدة منصب رئيس تحرير مجلة “المغرب الطبي”. وهو عضو في الأكاديمية الفرنسية للجراحة، ومؤسس ورئيس سابق لاتحاد جراحي المغرب العربي.
كان من الطبيعي أن تجذب هذه المسيرة العلمية الثرية والمهنية الغنية اهتمام وتقدير الشخصيات البارزة في الأوساط العليا والمجتمع الطبي بالمغرب. ولذلك، منحه الملك الراحل الحسن الثاني وسام العرش برتبة قائد، كما منحته الدولة الفرنسية وسام الاستحقاق الوطني برتبة قائد. وبمبادرة من مجموعة من زملائه وأصدقائه، سُمّي أحد أقسام الجراحة في مستشفى ابن سينا، أو مستشفى السويسي كما يُفضّل البعض تسميته، باسمه. وفي بادرة تقدير أخرى، أطلقوا اسمه أيضاً على مكتبة كلية الطب بالعاصمة. كما نال وسام الاستحقاق والتقدير من الكلية نفسها عام 2002، بالإضافة إلى جائزة من المعهد الفرنسي للعلوم الصحية عام 1989.
بالطبع، من الممكن أن تكون جهات أخرى قد احتفت بالأستاذ عبد القادر التونسي في مناسبات خاصة، سواءً كانت مهنية أو أكاديمية، وبطرق متنوعة. للأسف، لم تُنصفه وسائل الإعلام الوطنية، إذ لم تُسلط الضوء بشكل كافٍ على مسيرته المهنية. هذا الرجل، الذي يُعد بلا شك الشخصية الرائدة في مجال الصحة العامة في المغرب، يستحق أن يُقدّم بأفضل صورة ممكنة لجميع المغاربة، لكي تُلهم تجربته شباب اليوم في عصر يكاد يخلو من النماذج الإيجابية. في ظل ثورة رقمية هائلة أعادت تشكيل المشهد، وغيّرت المفاهيم والقيم، وجعلت عدد المشاهدات أو المتابعين معيارًا جديدًا للتميز.
كان يعيش الدكتور عبد القادر التونسي، الذي تجاوز التسعين من عمره، حياةً هادئة محاطًا بأسرته وأحبائه، بروح من أدّى واجبه على أكمل وجه، ولا يتمنى إلا نهايةً طيبةً لحياةٍ مديدةٍ بإذن الله. يكرّس معظم وقته للقراءة، التي يمارسها بشغفٍ وحماسٍ لا مثيل لهما، لا يضاهيهما إلا حياته المهنية. لا يسعه إلا أن يقارن بين ظروف الأمس وظروف اليوم، مقارناتٍ قد تكون مفاجئةً أو طريفةً أو حتى مثيرةً للسخرية. هذه الممارسة اليومية ضروريةٌ له نظرًا للتغيرات الملموسة والسريعة التي طرأت على الحياة الدنيا خلال سنوات عمره الطويلة، وخاصةً في هذا الجانب.
لقد التحق بالمدرسة والجامعة في زمنٍ لم تكن فيه أجهزة الترانزستور والتلفزيون وآلات التصوير وأجهزة التسجيل، ولم يكن هناك منافسٌ لجهاز الأشعة السينية البدائي… حتى أقلام الحبر الجاف لم تكن قد حلّت محل قلم الريشة التقليدي الذي كان يجلس عليه. واليوم، يشهد عصر الإنترنت، وأجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي، والحواسيب المتطورة، والهواتف الذكية، والمكتبات الإلكترونية، والتعليم عن بُعد، والعمل عن بُعد ، ويكتبون الرسائل الأكاديمية دون أي توجيه. علاوة على ذلك، فقد أتيحت الفرصة لأستاذنا أن يشهد عصرًا تنهار فيه العلاقات الإنسانية بسهولة وعفوية، باستثناء غياب “الإعجابات”!
يشهد الحاج عبد القادر تحولات جذرية في عاصمة المملكة في هذه المرحلة من حياته، المدينة التي شهدت تألقه العلمي والمهني، ومركز قلبه وعقله، وقد نجح في نقش اسمه في قلوب سكانها (تمامًا كما فعل شقيقه الأكبر، محمد بالحسن، مدرب كرة القدم المغربي ومؤسس نادي الرجاء البيضاوي، الملقب بـ”الأبجيكو”). ليس لديه أي ندم في حياته، بما في ذلك رفضه في مراحل عديدة استغلال صورته وسمعته وشهرته ومهاراته للانخراط في الطب التجاري، وخاصة العيادات الخاصة، على الرغم من استيفائه لجميع متطلبات الاستثمار في هذا القطاع.
فضّل التضحية بثروته لتخفيف معاناة الناس ومصائبهم، واختار مواصلة تدريب أطباء المستقبل وخدمة الإنسانية من خلال الرعاية الصحية العامة فقط، مكتفيًا براتبه الحكومي ومخصصاته. لم يُقلّل هذا بأي حال من الأحوال من دور الطب الخاص في تخفيف الضغط الهائل على المستشفيات العامة. فبالنسبة له، كان المرضى كائنات عاجزة لا حول لها ولا قوة، تستحق الرعاية بغض النظر عن ظروفها المادية أو الاجتماعية. كانت هذه قناعاته، وتمسك بها بشدة. انطلاقًا من هذه النبل والحساسية الإنسانية المرهفة، وجدتُ نفسي، للمرة الأولى في حياتي – وربما الأخيرة – أكتب رثاءً لا ينتهي، ليس من خلال أحاديث عابرة في مقهى ، بل بحبر أسود على أرضية بيضاء ناصعة.
منقول : الأستاذ محمد كرم..


























































