بقلم: الدكتور زكرياء بنعمر فارس
لا يمكن للكلمات أن تفي حق رجل لم يكن مجرد عابر في تاريخ الصحافة الوطنية، بل كان صرحاً شامخاً ومنارة فكرية فريدة. إن رحيل “سي بلعيد بوميد” ليس مجرد فقدان لصحفي رياضي قدير، بل هو غياب لصديق استثنائي، وإنسان وهبه الله كل مقومات القبول والتميز، ليظل اسمه “BB” محفوراً في ذاكرة الأجيال والقلوب.
موهبة فذة في مواجهة “ضريبة النجاح”
كان بلعيد بوميد مهنياً من طراز رفيع، يمتلك طاقة إبداعية مذهلة جعلت منه “ظاهرة” عصية على التكرار. ورغم أن نجاحاته كانت ملموسة وساطعة بفضل قلم سيال وريشة كاريكاتورية نافذة، إلا أن هذا التألق لم يخلُ من ضريبة؛ فقد واجه أحياناً سهام “الحسد” التي كانت تُصوب نحوه من القريب أو البعيد. لكنه، بذكائه المعهود وترفعه الأخلاقي، كان يتجاوز تلك العثرات ليحولها إلى طاقة بناءة زادت من متانة علاقاته وسمو مكانته.
راديو مارس: ثلاث سنوات ونصف من الشغف المشترك
جمعتني بالراحل بلعيد علاقة وطيدة، حيث تقاسمنا العمل يوماً بيوم، طيلة ثلاث سنوات ونصف من الزمن الجميل. في رحاب “راديو مارس”، عشنا تفاصيل يومية مفعمة بالشغف، كنا ننسج فيها خيوط فقراتنا الإذاعية ونبث الروح في برامجنا برؤية مشتركة. لم يكن مجرد زميل عمل، بل كان رفيق درب يضفي على الاستوديو بهجة بفكاهته الراقية، وعمقاً بتحليلاته التي تمزج بين الثقافة الموسوعية والخبرة الميدانية.
“الـرُوك” (RUC): حيث يلتقي الحب والوفاء
لم تقتصر علاقتنا على ميكروفونات الإذاعة، بل امتدت لتشمل العمل الجمعوي والرياضي داخل أسوار نادي “الرُوك” (RUC). هناك، في اللجنة المديرية، توطدت أواصر المودة في حضرة ثلة من الأشخاص الرائعين والمحبين، أذكر منهم بكل فخر الدكتور زهير، ولينو باكو، وكركاي، وغيرهم من الذين وجدوا في بلعيد تلك الروح الجامعة والقلب النابض بالوفاء.
ريشة ساخرة وقلم يقرأ ما وراء السطور
إلى جانب إنسانيته، يظل بوميد “عميداً” حقيقياً؛ فهو خريج مدرسة العلوم السياسية بباريس، الذي عرف كيف يطوع “الريشة الذهبية” ليرسم وجع وآمال المجتمع المغربي بلمسة ساخرة وراقية في آن واحد. رسوماته الكاريكاتورية لم تكن مجرد خطوط، بل كانت مقالات فكرية مكثفة تنتقد برقيّ وتؤرخ لواقعنا بذكاء حاد.
الوداع والذاكرة المستمرة
اليوم، وبينما أعبر عن عمق صداقتي لـ “سي بلعيد”، أشعر أن غيابه الجسدي لا يعني الرحيل؛ فذكراه حاضرة معنا يومياً، في كل فكرة، وفي كل رسم، وفي كل حوار رياضي رصين.
رحمك الله يا صديقي العزيز، فقد كنت الصحفي الحقيقي الذي يمتلك الثقافة ليحلل، والذكاء ليسخر، والقلب ليحب الحياة والناس. نم قرير العين، فإرثك باقٍ في قلوبنا وعقولنا.
إنا لله وإنا إليه راجعون.


























































